أهم الأخبارأدب وفنالعرض في الرئيسة

اليمن يكتب رغم كل شيء 

يمنات

محمد المخلافي 

يمرّ اليمن في واحدة من أقسى مراحل تاريخه الحديث، مرحلة أثقلت كاهل الناس وأرهقت تفاصيل حياتهم اليومية، بدءًا من انقطاع المرتبات، مرورًا بضيق سبل العيش، وصولًا إلى انعدام الاستقرار.

كان الموظف اليمني في مقدمة من دفعوا ثمن هذه الأزمة، إذ وجد نفسه عاجزًا عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. وفي خضم هذا الواقع الصعب، لم يكن الأدباء والكتّاب والشعراء بمعزل عن المعاناة، بل كانوا من أكثر الفئات تضررًا.

ومع ذلك، ظل كثير منهم متماسكين، يكتبون ويبدعون ويؤلفون، وصدرت لهم أعمال لافتة خلال هذه السنوات الصعبة. دعنا نتجه إلى عام واحد فقط، هو عام 2025. صدرت لهم أعمال لافتة خلال هذا العام تحديدًا. بل إن بعضهم حازت أعماله على جوائز أدبية عربية ويمنية.

من بينهم الروائية نادية يحيى حسين الكوكباني، التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية عن روايتها (هذه ليست حكاية عبده سعيد)، مؤكدة حضور السرد اليمني في واحدة من أعرق الجوائز العربية.

كما حصل الروائي حميد الرقيّمي على جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته (عمى الذاكرة)، ضمن فئة الروايات المنشورة، وهي جائزة تهتم بدعم الرواية العربية وترجمتها.

وعلى المستوى المحلي، أسهمت جائزة السرد اليمني (حَزاوي) في إبراز أصوات جديدة، من بينها رواية (نبوءة السيليكون) للكاتبة أحلام المقالح، ورواية (عندما يُبصر الحب) للكاتب صادق عبدالله الوصابي، ضمن الأعمال الفائزة في فئة الروايات غير المنشورة.

تعكس هذه الجوائز، رغم محدوديتها، استمرار حضور الكتّاب اليمنيين في المشهد الأدبي وقدرتهم على الإنتاج والمنافسة في ظروف بالغة الصعوبة.

كما أصدر الكاتب والشاعر والناقد علوان الجيلاني أحد كتبه الأربعة بعنوان شمس الشموس – أبو الغيث بن جميل – السيرة والتحقيق، وجميعها جاهزة للنشر، ومن المقرر أن تصدر تباعًا مع بداية العام الجديد، لتكون فاتحة لإصدارات قادمة ومنجزات متواصلة.

وحتى أولئك الذين يعيشون في المهجر ظلّوا يواصلون الإنتاج بغزارة، وكأن الكتابة أصبحت لديهم وسيلة مقاومة، لا مجرد فعل إبداعي.

في هذا السياق، برز الكاتب اليمني حميد عقبي، المقيم في فرنسا، بمشروع أدبي متميز خلال عام 2025، فقد أصدر 44 كتابًا تضمّنت 48 عملًا أدبيًا خلال عام واحد، من دون أي دعم مادي من مؤسسات يمنية أو عربية أو أوروبية، معتمدًا كليًا على جهده الشخصي وقناعته بأن الكتابة لا تنتظر ظروفًا مثالية، حيث يقضي قرابة خمس عشرة ساعة يوميًا بين القراءة والكتابة.

تنوعت أعماله بين الرواية والمسرح والشعر والنقد الأدبي والسينمائي، إضافة إلى نصوص ثنائية اللغة وسيناريوهات غير منفذة، مع اعتماد على الروايات القصيرة والمشاهد القريبة من المونتاج السينمائي، والنصوص المسرحية المباشرة، كأن الشكل الأدبي يعكس عالمًا متشظيًا وسريع الإيقاع.

ورغم غياب الدعم الرسمي، لم يكن عقبي معزولًا، إذ شملت شراكاته الإبداعية تعاونًا مع الناقد والمترجم والناشر حاتم الشمّاع لترجمة رواية (الشجرة الأم) إلى اللغة الإنجليزية إلى جانب أعمال نقدية أخرى، ومعي انا المترجم والكاتب اليمني محمد المخلافي لترجمة نصوص مسرحية، بالإضافة إلى تعاونات مع الناشر والشاعر أحمد الفلاحي، مؤسس دار أطياف للنشر والترجمة، ودور نشر عربية وأوروبية عدة.

يظل الإبداع الأدبي دليلًا حيًا على صبر اليمنيين وقدرتهم على الصمود. فالكتّاب والروائيون والشعراء، سواء في الداخل أو في المهجر، يحوّلون تحديات الحياة اليومية إلى أعمال تعكس تجربة وطن بأكمله، ويؤكدون أن الحضور اليمني في المشهد الأدبي سيستمر رغم كل الصعاب.

زر الذهاب إلى الأعلى